أثارت التطورات الأخيرة المرتبطة بالأوضاع في فنزويلا حالة من الجدل الواسع داخل الأوساط الاقتصادية والمالية العالمية، مع تصاعد التساؤلات حول ما إذا كانت أحداث فنزويلا مرشحة لإحداث اضطرابات حادة في أسواق النفط والذهب والعملات الأجنبية، وقد جاء ذلك في توقيت حساس تشهد فيه الأسواق العالمية حالة من الترقب، في ظل تباطؤ النمو في بعض الاقتصادات الكبرى، واستمرار حالة عدم اليقين بشأن السياسات النقدية وأسعار الفائدة.
النفط الفنزويلي وتأثيره المحدود على المعروض العالمي
قال ياسين أحمد، خبير أسواق النفط، إن التطورات الجيوسياسية المرتبطة بفنزويلا، رغم حساسيتها السياسية، لا تمثل عاملًا جوهريًا قادرًا على إحداث صدمة حقيقية في أسواق النفط العالمية. وأكد أن أي تقييم موضوعي للأحداث يجب أن ينطلق من الأساسيات الاقتصادية، لا من الانفعالات أو المعنويات المؤقتة التي غالبًا ما تكون قصيرة العمر.
وأوضح أحمد أن النفط الفنزويلي يشكل أقل من 1% من إجمالي الإنتاج العالمي، ما يعني أن تأثيره المباشر على توازن السوق الدولية يظل محدودًا للغاية، وأضاف أن الجزء الأكبر من صادرات فنزويلا النفطية يتجه بالفعل إلى الصين، وبالتالي فإن أي اضطراب مرتبط بها لن يغيّر بصورة ملموسة موازين العرض والطلب على المستوى العالمي.
وفي السياق ذاته، أشار خبير أسواق النفط إلى أن الأسواق العالمية اعتادت على التعامل مع أحداث سياسية متقلبة في دول منتجة للنفط دون أن يؤدي ذلك بالضرورة إلى تغيرات هيكلية في الأسعار، ولفت إلى أن التأثير إن وُجد يكون في الغالب نفسيًا ومعنويًا، ويظهر في صورة تذبذبات محدودة سرعان ما تتلاشى مع عودة التركيز إلى البيانات الفعلية المتعلقة بالإنتاج والمخزونات والطلب العالمي.
وأضاف أن التحليل القائم على المؤشرات الأساسية يشير إلى أن السوق لا تعاني حاليًا من نقص حاد في المعروض، كما أن الطاقة الإنتاجية الاحتياطية لدى بعض الدول، إلى جانب سياسات تحالف أوبك بلس، تظل عوامل كابحة لأي قفزات سعرية غير مبررة.
اقرأ أيضًا: ترامب يفرض حصارًا نفطيًا على فنزويلا
عوائق تمنع تدفق النفط الفنزويلي للأسواق الأمريكية
تطرق خبير أسواق النفط إلى تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن الاهتمام الاستراتيجي بالنفط الفنزويلي، موضحًا أن الحديث عن استثمارات أمريكية محتملة في دولة تمتلك أحد أكبر احتياطيات النفط في العالم يظل في هذه المرحلة أقرب إلى الطرح النظري منه إلى خطة قابلة للتنفيذ.
وأشار إلى أن غياب الاستقرار السياسي يمثل العائق الأكبر أمام أي استثمارات ضخمة، مؤكدًا أن شركات الطاقة الكبرى لا تقدم على ضخ رؤوس أموال طويلة الأجل في بيئات تتسم بعدم اليقين الأمني والسياسي.
وأضاف أحمد أن معظم المصافي الأمريكية غير مهيأة لمعالجة النفط الفنزويلي الثقيل، وهو ما يتطلب استثمارات ضخمة لتطوير البنية التحتية التكريرية. وأوضح أن أي استفادة حقيقية من الاحتياطيات الفنزويلية تحتاج إلى وقت طويل، وبيئة سياسية مستقرة، وسلسلة من الإجراءات الفنية والتنظيمية، ما يجعل الحديث عن تأثير سريع على الأسواق أمرًا غير واقعي.
اقرأ أيضًا: ثروات فنزويلا تشعل التصعيد.. هجوم أمريكي واعتقال مادورو
توقعات أسعار النفط في 2026
أكد ياسين أحمد أنَّ أي تغير ملموس في المعروض العالمي، في حال تحقق أصلًا، سيحتاج إلى سنوات، وليس أشهرًا، وهو ما ينفي إمكانية حدوث صدمة سعرية مفاجئة مرتبطة بالأوضاع الحالية.
وفيما يتعلق بتوقعاته لمسار أسعار النفط خلال عام 2026، رجّح أحمد بقاء الأسعار في نطاقها الحالي، مع ميل إلى الحد الأدنى، مشيرًا إلى أن الاتجاه العام للأسعار سيظل مرهونًا بعوامل أخرى أكثر تأثيرًا، مثل معدلات الطلب العالمي، وأداء الاقتصادات الكبرى في أوروبا واليابان، إلى جانب السياسات الإنتاجية لتحالف أوبك بلس.
وأضاف أن عودة النفط الروسي إلى الأسواق إذا تمت بشكل رسمي لن تُحدث تغيرًا جذريًا في الأسعار، بل ستؤدي إلى انتقال جزء من الإمدادات من \”اقتصاد الظل\” إلى \”اقتصاد الضوء\” ، دون أن تعني زيادة حقيقية في حجم المعروض العالمي.
أوبك بلس والسياسة: فصل ثابت منذ عقود
فيما يخص اجتماع أوبك بلس المرتقب، أكد أحمد أنه لا يتوقع أن تتأثر قرارات التحالف بأحداث فنزويلا السياسية الأخيرة، مشيرًا إلى أن تاريخ أوبك بلس قائم على الفصل بين السياسة وسوق النفط، وهو أحد الأسباب الرئيسية لنجاحه في الحفاظ على توازن السوق. كما أنّه يتوقع أن يتجه التحالف إلى تأجيل أي زيادات جديدة في الإنتاج على الأقل حتى نهاية النصف الأول من 2026، لتجنب تخمة المعروض.
اقرأ أيضًا: ما هو سبب انهيار اقتصاد فنزويلا رغم ثروتها النفطية الهائلة؟
الذهب والعملات الأجنبية: لماذا غابت الصدمة السعرية عن الملاذات الآمنة؟
علق ياسين أحمد على انعكاسات التطورات الأخيرة في فنزويلا على أسعار الذهب والمعادن النفيسة، موضحًا أن المعدن الأصفر قد يشهد تحركات محدودة في حال تفاقمت المخاوف المعنوية لدى المستثمرين، لكنه أشار إلى أن هذه التحركات لن تشكل أساسًا لاتجاه صاعد مستدام. وأضاف أن الذهب عادة ما يتفاعل بشكل ملموس مع أزمات كبرى طويلة الأمد، مثل الحروب الشاملة أو الأزمات المالية العالمية، وهو ما لا ينطبق على الوضع الحالي.
من جانبه، اتفق الدكتور رمزي الجرم، الخبير الاقتصادي، مع هذا الرأي، مشيرًا إلى أن ما يُعرف بـ\”مسلسل أحداث فنزويلا\” لن يترك تأثيرًا ملموسًا أو مباشرًا على أسعار الذهب أو العملات الأجنبية في الأسواق العالمية. وأكد أن طبيعة الحدث لا ترتقي إلى مستوى الصدمات الجيوسياسية القادرة على تحريك الأسواق بشكل حاد أو مستدام.
وأوضح الجرم أن ما حدث يصنف كعملية نوعية سريعة، محدودة زمنياً، بدأت وانتهت دون أن تتحول إلى نزاع مسلح واسع أو مواجهة عسكرية ممتدة، مما يقلل بشكل كبير من احتمالات انتقال التوتر إلى الأسواق المالية العالمية.
الأسواق أكثر انتقائية في تفاعلها مع الأخبار السياسية
أوضح الجرم أن تحركات أسعار الذهب والعملات ترتبط عادة بأزمات كبرى طويلة الأمد، مثل الحروب الشاملة أو تعطّل سلاسل الإمداد أو تهديد الممرات التجارية والطاقة، وهي عناصر غير متوافرة في الحالة الراهنة، وأضاف أن الأسواق العالمية باتت أكثر انتقائية في تفاعلها مع الأخبار السياسية، وتركز بدرجة أكبر على سياسات البنوك المركزية وأسعار الفائدة ومعدلات التضخم.
واختتم الخبير الاقتصادي تصريحاته بالتأكيد على أن أي تغيرات طفيفة قد تظهر في الأسعار ستكون في إطار التذبذبات الطبيعية قصيرة الأجل، داعيًا المستثمرين إلى عدم المبالغة في ربط الحدث الفنزويلي بحركة الأسواق، والتركيز على المؤشرات الاقتصادية الأساسية التي تظل المحرك الحقيقي لاتجاهات الأسعار عالميًا.
قد يهمّك أيضًا: أسعار الذهب قد تخترق حاجز 5000 دولار في 2026








